احنا الفرح

فتح الباب ليخرج من القاعه تاركا الضوضاء خلفه، أخذ يفك رباط الكرافته متسرعا بيديه محاولا أن يسمح للهواء أن يدخل رئتيه أو ربما قدرا من السكينه أن يدخل عقله منقذا اياه من الضوضاء التي تركها للتو

وقف للحظات يتأمل السماء الصافيه في تلك الليله و الضوضاء ما زالت تصّر أن تصله خلف الباب الذي خرج منه للتو، بحث قليلا في جيب جاكتته و أخرج علبه سجائر و ولاعه…أخذ سيجاره و أشعلها بقليل من التردد…لكن التردد زال عندما استنشق الدخان بعمق و عنف داخل  رئتيه

سمع صوت الباب الذي خرج منه يُفتح، للحظة عادت الضوضاء تهاجم سمعه لكن سرعان ما انغلق الباب، لم يبالي كثيرا بأن ينظر من القادم و ان كان يتوقعه

  – خرجت ليه ؟؟

– اتخنقت من الدوشه..انتي عارفه اني مكنتش هعمل فرح لولا اصرار مامتك….قالها مبتسما و هو ينظر اليها

– أنا عارفه و لا أنا كمان كان يفرق معايا الفرح بس احنا اتفقنا ان الحياه لازم فيها تضحيات..هي بس التضحيات ابتدت من بدري شويه…قالتها و هي تترقب ابتسامته الساخره…و لكنه لم يبتسم

للمره الأولي تنتبه للسيجاره في يديه، تمنعها المفاجأه لوهله، يبدو أنه لا يبالي حقيقه بمفاجأتها أنها تراه يدخن للمره الأولي منذ أن عرفته و تعرف كم يكرهها…لم يبدو أنه يبالي أن يشرح موقفه…ليس في تلك اللحظه

في تلك اللحظه فاجأها قائلا

  – أنا طول عمري مش بحب الأفراح مش بس عشان هي دوشه…عشان كنت بحس في أحيان كتير انها محاوله بائسه لاصطناع السعاده….الصوت العالي…الرقص المجنون…أيها العالم فلتدرك الأن اني سعيد..سامع الصوت العالي الدال علي السعادة…سامع أغاني المهرجانات و العو عو عو…شايف حركات المدعوين التي تحاول أن تدعي أنها رقص علي البيست عشان تثبتلك قد ايه كلنا سعداء و فرحانين

طول عمري حاسس ان لما ييجي اليوم اللي هتجوز فيه حبيبتي هيكون احساس السعاده نتيجة طبيعيه و هاديه و مش محتاجة كل الدوشه دي…مجرد امتداد طبيعي…و هصحي تاني يوم عادي جدا أصحيها نفطر مع بعض و نبتدي حياتنا فورا من غير كلاشيهات شهر العسل الممله كأننا مجرد نقلنا السكن مع بعض…بس النهارده أنا مش حاسس كده

– عشان كده قررت تفاجئني بأنك بتشرب سجاير ؟ قالتها في هدوؤ بعد أن تغلبت علي صدمتها الأولي

نظر لوهله في السيجاره المشتعله بين يديه ثم أكمل نظره الي اللانهائية أمامه

– يمكن هو الخوف…اللحظه جت اللي هختبر فيها كل خيالات الحياه اللي عايز أخليها مختلفه معاكي عن أي حياه تانيه..لكن زي السيجاره…ممكن يكون في حاجة مكنتيش تعرفيها تخلي كل حاجة مختلفه…يمكن أنا كنت مزودها و اللي أنا كنت بحلم بيه ده عمره ما هيبقي حقيقي أصلا لانه كامل زياده عن اللزوم…هل ممكن ييجي اليوم اللي هخيّب ظنك فيا و ظني

وضعت يديها علي حافة الشرفه كما يفعل، لكنها نظرت اليه بدلا أن تهرب بنظرها الي الأمام، للحظة كادت أن تقول له “بصلي طيب” لكنها شعرت بأن الجمله تبدو تقليدية زياده فاكتفت بأن تنظر اليه و هو ما زال سارحا ببصره أمامه

– انت عارف بقي اللي مش مخليني خايفه من كل اللي انت بتقول عليه ده؟ عشان من ساعه ما أنا عرفتك و حبيتك و انت دايما بتتكلم معايا، عمرى ما خبيت عني ألمك و لا خبيت عنك عيوبي، عمرنا ما كنا غير صحاب حتي و احنا بنتجوز، انت خايف عشان فاكر ان حملك لا يطاق، و أنا مش خايفه عشان عارفه ان احنا هنعرف نشيله مع بعض…مع بعض

– الخوف اني أكون وعدتك بشيء مش هقدر عليه، أكون وعدتك بواحد مقدرش أبقاه في الأخر…في الأخر تنتهي بينا الحياه زي كل الباقيين…الحياه بتعمل كده..الحياه قاسيه

– و أنا مستعده و قابله المخاطره دي…وواثقة فيك من ألف لحظة عدت علينا قبل كده عمرك ما أخدت بالك منهم بس أنا أخدت بالي…يمكن مش هنحقق كل أحلامنا عشان زي ما بتقول الحياه بتعمل فينا كل حاجة احنا مش متوقعينها…بس أنا واثقة فيك

لأول مره ينظر اليها و يبتسم…قال لها بنغمه واضحه

– بصي احنا النهارده منعملش حاجة و نقعد نتكلم بقي

أخذ وجهها يتضرج بحمّره الخجل و هي تدرك ما ذا يعني، وضعت يدها برفق علي ظهره

رميّ السيجاره قبل أن تنتهي…لأول مره منذ بدء الليله تتسلل الابتسامه الي وجهه..ومعها تسلل احساس الفرح

2 thoughts on “احنا الفرح

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s