نهاية…ونهاية

التاسع من اكتوبر – الواحدة صباحا – نيويورك

صوت الجهاز يعوي فجأة في أرجاء البيت, يقفز الأب و الأم من سريرهما, يعدوان بأقدام حافية في اتجاه غرفة ابنتهما, الصوت المشؤوم مازال يعوي..صوت جهاز مراقبة النبض, ينظر الأب في وجه ابنته الشاحب, يحاول أن يخاطبها لكن بلا رد, لابد من التحرك الى المستشفى الأن

لم تأخذ سيارة الاسعاف أكثر من عشرة دقائق حتى تصل, طاقمها المدرب نقل الصغيرة الى السيارة, في نفس الوقت كان الأب قد أجرى الاتصال بطبيبها المعالج, كان في الطريق لينتظرهم في المستشفى

سيارة الإسعاف تمضي في شوارع نيويورك الخالية في مثل هذه الساعة, الأب و الأم في الخلف مع ابنتهما, يبدو لهم الزمن متوقفا, تبدو الأحداث أقرب لحلم لا يعيانه, كانا يمنيان نفسيهما بسماع صوت الجهاز المميز الذي يعني أن صغيرتهما وجدت قلبا صالحا ليستبدل قلبها المتهاوي, كانا يعلمان صعوبة هذا و لكن كانا يتمسكان بالأمل

دموع الأم تسري بصمت على وجهها, الأب يمسك بيدي طفلته و جسمها الصغير متصل بكل تلك الأجهزة و الأسلاك, يبدو عقله فارغا من أي أفكار, يرى بعيون لا ترى

تصل سيارة الاسعاف أمام باب الطواريء حيث كان الطبيب المعالج و طاقم التمريض في انتظارهم, في لحظات كانت الصغيرة في طريقها الى غرفة العناية المركزة

الأب و الأم يجلسان في غرفة الانتظار, لا يدريان كم من الوقت مر, الصمت نفسه أصبح يثقل أنفاسهما, يخطو الطبيب بخطوات بطيئة داخل الغرفة ينظران اليه بعيون حائرة, لا يقويان على الكلام أو السؤال خوفا من الاجابة

لقد بذلنا كل شيء في استطاعتنا لكن قلبها لم يعد يحتمل..أنا أسف

انهارت الأم في أحضان زوجها, لم يكن يقوى على رفع ذراعيه و الامساك بها, لم يبد على وجهه أي علامات من الإحساس أو التعبير فقط سأل في هدوء…هل يمكن أن أراها

دخل الى الغرفة ببطئ, طفلته ترقد على السرير بلا حراك كأنها نائمة بعد يوم طويل من اللعب, يقترب منها مازال يشعر بدفء جسدها الصغير..ينهار على ركبتيه جاثيا بجانبها..صوت نحيبه يعلو و هو يقبل يديها الصغيرة و يغرقها بدموعه


العاشر من أكتوبر – السادسة مساءا – القاهرة

 

القصر العيني يا اسطى؟

 

يدفع بالفتاة الصغيرة التي تتأوه ألما في سيارة الأجرة و يجلس هو بجانب السائق, الرجل في الخمسينات من عمره ولكن الإرهاق البادي في وجهه و لحيته النامية تزيده أعواما أخرى فوق عمره

ملابسه تدل على رقة حاله, ينظر نظرة خاطفة الى الفتاة الملقاة في الخلف, مازالت تتأوه ألما, ملابسها اكتسبت لونا أحمرا داكنا من الدماء التي فقدتها, وجهها الشاحب يبعث بالخوف في جسده, يحث السائق..بسرعة شوية الله يخليك يا اسطى

يصل الى باب متهالك معلق عليه لافتة متسخة تحمل عبارة طواريء, يحمل الطفلة حملا و هي تكاد تفقد الوعي, يهرع بها الى مكتب الاستقبال, تبادره موظفة في روتينية…مالها بنتك يا حاج…حادثة من الساعة اتناشر و انا بلف بيها على المستشفيات محدش راضي يستقبلها..بيقولوا مفيش مكان..طب استنى في الانتظار لحد ما نلقليها مكان ان شاء الله

حمل الطفلة و جلس على مقعد خشبي متهالك, تحت الإضاءة الصفراء يرى الوجوه البائسة الملقاة أمامه, بعضها يحمل أكياسا متصلة بجسدها و الأخر يفترش الأرض و يئن, تتصارعه الأفكار السوداء و لكنه يتمسك بأمل ما, يردد آيات من القرآن لا تخفي رعشة شفتيه

لم يدر كم من الوقت مر و لكنه أدرك أن الإنتظار طال, بحث عن موظفة الاستقبال ليسألها فلم يجدها, أخذ يمسك بتلابيب أي طبيب يقابله, يتوسل اليه أن يساعده أو يدله على ماذا يفعل, لم يكن باستطاعة أحدا مساعدته, حينما عاد الى مقعده الخشبي وجد صغيرته ساكنة شاخصة العينين, قلبه ينبئه ولكن عقله يرفض التصديق

أخذها برفق في أحضانه, قلبها الساكن و أنفاسها المنقطعة يؤكدان ظنونه, سكون غريب يسوده كأنما كان يشعر بما سوف يحدث, يغمض عينيه و يشعر بالدموع الحارقة تملأهما, لا يجد إلا أن يردد كلمات الله لعله يجد فيها السلوى في مصيبته, لا يجد الرغبة حتى أن يتكلم أو يصرخ لعل أحدا ما يلاحظ, فقط يستمر في احتضان جسد صغيرته متمتما بكلمات مبهمة

فجأة…صرخ بكل ما تبقى فيه من حياة…بكل ما فيه من ألم و معاناة و قهر

أه ه ه ه ه ه ه ه ه  يا بلد وسخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخخة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s