اختبار…حقيقة

كان الصمت يغلف الغرفة المظلمة الباردة, لم يقطع الصمت إلا الأصوات الرتيبة للأجهزة الطبية المحيطة بالفراش, الجسد الصغير الملقى عليه ساكن تماما, يتصاعد صدره و يهبط في هدوء

يجلس بجانب الفراش شبح إنسان, لا تتبين ملامحه في الظلام, كل ما تستطيع أن تتبينه رأسه المنكسة و أطرافه الساقطة على جانبيه, يتحرك في بطء ليضع يده على يد الفتى الصغير الراقد على الفراش

يدخل الغرفة شيخ مديد العمر, يحيط البياض بكل جانب من ملبسه, تجاعيد وجهه و شعره الأبيض يدلان على عمره, و اللحية البيضاء تزين و جهه شديد الطيبة و السكينة, يقف لوهلة في منتصف الغرفة يدير عينيه في الجسد الصغير الساكن على الفراش و الجسد المنهك الملقى بجانبه على المقعد

يقترب في بطء ليجلس على حافة السرير, يضع يده على جبهة الفتى الصغير و يتمتم بكلمات في هدوء..باسمك اللهم الشافي المعافي..لا إله الا الله الحليم الكريم .. لا اله الا الله العلي العظيم..أذهب البأس رب الناس ، اشف و أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاءً لا يغادر سقماً

انتبه الجسد الكائن بجانب الفراش لوجود الشيخ, استمع لبرهة للكلمات الذي أخذ يتمم بها, سرى الغضب في عروقه و احمرت عيناه و صرخ..ارفع يدك عن ابني..اخرج من هنا أيها الأحمق الكاذب لا أريدك هنا..اخرج من هنا

نظر اليه الشيخ بهدوء و ابتسم..لا تجزع يا بني..ولدك سيعافى باذن الله..لا تجزع

و كأن كلماته زادت من غضب الأب فأكمل صراخه..اخرج أيها الكاذب أنت و إلهك من هنا لا أريد منكم شيئا..كفى بي أن أتعذب و انا أنظر لصغيري يتعذب في اليوم ألف مرة من العلاج الكيماوي و أنا لا أملك له  شيئا..ثم أخرج لأتحمل الحمقى الذين يؤمنون بك..يقولون بكل بساطة لابد أن تتقبل قدرك..ثم يمضون في حياتهم بكل بساطة..هذا ما تعلموه منك..مجرد عبارات مواساة فارغة لا يؤمنون بها حتى..لو كان أحدهم في مكاني لفكر ألف مرة قبل أن يقولها بكل سماجة لأحد أخر

نظر بحسرة الى الجسد الساكن على الفراش و أكمل بصوت متهدج..ماذا فعل ليتحمل كل هذا الألم..بدل أن  يقضي أحلى سنين عمره كأي طفل في سنه يقضيها بين جلسات العلاج الكيماوي يحدق في شعره المتساقط و جسده يتأكل لحظة بعد أخرى…قل لي ما المعنى في ذلك..قل لي ما العدل في ذلك..بعد كل هذا من المفترض أن أقبل…بهذه البساطة..أن أبتسم و أشعر بالسعادة البلهاء بالابتلاء و أثق أنه للأفضل..أي حماقة هذه و أي جهل و أي غباء..اذهب أنت و إلهك فلا أريد منكما شيئا يكفيني ما أنا فيه

قام الشيخ في توؤدة و مشى في خطوات حتى أصبح بجانب الأب, كان لا يزال محافظا على ابتسامته, ينظر بشفقة الى الأب الذي أخذ يتنفس بعنف من جراء صراخه, تكلم الشيخ بنفس الصوت الهاديء..لا تجزع يا بني..عقلك يمتليء بالحيرة و الغضب و الألم..لهذا أنت لا تستطيع أن ترى بوضوح..لا تحزن يا بني فلن ألقنك أي مواعظ من أي نوع لا..أنا أشعر بألمك و لوعتك..لكن عقلك يرفض أن أساعدك..لا بأس..اعلم أنه قريب منك رحيم بك حتى و ان أعرضت عنه..يعلم شكواك و ان لم تنطق بها..يعلم من ضعفك مالا يعلمه بشر..فان لم تجد الراحة مع البشر فاشك لرب البشر..لا تخف يا بني فرحمته وسعت الكون و نور عطفه  أضاء الحياة..اشك اليه ألمك و حيرتك..اكشف له ضعفك و هو أعلم به..اقترب فيصيبك نوره من علياءه و يتفضل عليك بما لا يملك بشر أن يعطيك إياه

وضع الشيخ يده على قلب الأب..سأدعو لك أن يهبك السكينة..لا تجزع يا بني و لا تخف..هو أعلم بك حتى و ان ابتعدت..رعايته و رحمته و غفرانه دائما لك..و ابتسم

لم يعد الأب يدري إن كان الشيخ مازال موجودا أم ذهب, هل كان ذلك حلما أم هلوسة, يشعر بداخله يرتجف و ينتفض لا يدري ماذا يريد أن يقول أو ماذا يفعل, وجد نفسه يمسك بيد صغيره و يتمتم

يا رب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s