الشهيد

كان يحب هذه الأرض كثيرا, كان يعشق ترابها العطر رغم الوحل الذي لوث أرجائها, و كان يملئ رئتيه من عبير هوائها رغم الأدخنة التي حجبت نور الشمس

أخيرا جائته الفرصة, أخيرا جاءت اللحظة التي يعبر فيها لمحبوبته عن عشقه المجنون, هذا العشق الذي ينافي كل قواعد المنطق و لا يملك له سببا و لا تفسيرا لمن تخلى منذ زمن عن تلك الأرض, لا يرى فيها الا الوحل و الدخان

أخيرا جائت اللحظة ليدفع ثمن عشقه عن طيب خاطر, ينزع الغمامة و يحطم الأغلال و يصرخ عاليا رغم نباح الكلاب المسعورة, ترتعد خائفة و هي ترى الصمود في عينيه, لقد جاءت اللحظة التي انتظرها طويلا ليتكلم…ليصرخ..لينهض..لقد اشتاق كثيرا لمن يحب

لذلك لم يشعر بأي ألم عندما اخترق الغدر قلبه, يعتقدون انهم سيمنعونه عن رؤيتها, هم لا يعرفون كم يعشقها, أبدا لن يفهموا, ربما ذهب بجسده لكن روحه باقية تحلم بالأرض العطرة و بنور الشمس..لكنه الأن يجلس صامتا, لقد ظن و بعض الظن اثم أن الكلاب قد رحلت الى الأبد

روحه النبيلة تلامس الأرض, يرى بعينيه الضباع تتقاتل تحت قدميه على الجيفة, يرى في عيونها الشهوة و غريزة القتل, يرى في عيونها الدناءة و الغدر

تضحك ضحكات مسعورة, تلبس قناع البراءة بينما هم يغوصون في الوحل أكثر, يسمونها سياسة, ولكن حبه النبيل يشمئز من كذبهم, حبه الأبيض لا يمكن أن يتلوث بهذا السواد

هو يحب هذه الأرض كثيرا, رحل عنها و لم يفارقها لحظة, يشعر بألم جرحه..خيط الدماء يسيل ساخنا, يرى قطرات الدماء تختلط بالأرض المتشققة تحت قدميه, ترتوي بلهفة كأنما تستنجد به من لؤم الكلاب و الضباع

رفع عينيه الى السماء في دعاء صامت, الظلام يزداد في الأفق و نور الشمس يخبو, لكنه ينظر عن يمينه و عن شماله, يرى وجوها منيرة تبتسم له, أرواحهم تضيء العتمة حوله

أغمض عينيه و ابتسم, هي حقيقة كونية و قصة منتهية…هذه الأرض ليس لها مصير إلا العظمة و لو غمرها الوحل فأبدا لن يطغى على روحها, هو لن يشهد ذلك و ربما أجيالا من بعده, لكن قلبه الذي طالما  نبض بحبها يطمئنه أن النبتة التي ارتوت بدمائه سيحين الوقت و ترى النور

إهداء بسيط لمن ضحى بروحه أو بجزء منه من أجل هذه الأرض الطيبة..دينكم في أعناقنا الى يوم الساعة*